الشيخ محمد هادي معرفة

476

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وتجديد بناء البيت المقدس وتعهّد تكاليف عمران تلك البلاد وغير ذلك من أعمال خير قام بها على أساس بسط العدل في الأرض . وبناء السدّ لحماية أقوام مستضعفين عن هجمات قبائل وحشيّة ، كان أحد آثار هذا العمل الخيري . وهذا شيء عرفه الأوائل وعثر عليه أهل التحقيق من المتأخّرين . « 1 » ولا تزال الكشوف الأثريّة تطلعنا على غيوب من أسرار هذا القصص القرآني والذي لم يسجّله التاريخ . ومواضع الغرابة في كلام هذا الكاتب المسترسل ( خليل عبد الكريم ) كثير سوف ننبؤك عليها ، والآن وقبل كلّ شيء لابدّ من النظر في أهمّ نقاط ركّز عليها بحثه الحاضر : أوّلًا - كيف يصف هذه القصص بأنّها من التراث الشعبي والتي كان يعرفها العرب المعاصر لمحمّد ، وبالأحرى أن يكون محمّد صلى الله عليه وآله أعرف بها من غيره . . . هذا في حين أنّ القرآن يباريهم بأنّها من الآثار التي كان يجهلها محمّد وقومه من قبلُ ؟ هو عندما يذكر قصّة نوح والطوفان والسفينة بتفصيل وبيان ، يعود فيقول : « تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا . . . » . « 2 » فلو كانت العرب تعرفها وتعدّها من تراثها الشعبي الدارج ، لكانت أولى بالردّ على هذا التحدّي الصارخ ! وكذا عندما ينتهي من قصّة يوسف وإخوته يقول : « ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ . وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ » . « 3 » وهكذا بشأن الصدّيقة مريم وبشرى الملائكة لها يقول : « ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ . وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ . وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » . « 4 » فلو كان أهل الكتاب يعرفون التفاصيل المروعة والتي جاءت في القرآن نقيّة زاكية ، لكانوا أولى بمجابهته وهم أشدّ المناوئين للإسلام ولرسالة محمّة صلى الله عليه وآله !

--> ( 1 ) - راجع : قاموس الكتاب المقدّس ، ص 743 . وقد قام بهذا التحقيق المولى أبوالكلام آزاد ، العالم الهندي الكبير . راجع : لغت نامه لعلي أكبر دهخدا ، ص 11563 ، ذو القرنين الثاني ، نقلًا عن مجلة « ثقافة الهند » . ( 2 ) - هود 49 : 11 . ( 3 ) - يوسف 102 : 12 . ( 4 ) - آل عمران 44 : 3 .